دراسات

أهمية الترجمة الدينية في حوار الثقافات
أهمية الترجمة الدينية في حوار الثقافات

 
بشرى لغزالي


لا شك أن الإنسان في حاجة إلى التواصل مع الآخر بشكل مستمر بحكم طبيعته الاجتماعية التي تجعله في سعي متواصل نحو ربط علاقات مع الآخرين بغية التعرف عليهم والاستفادة من معارفهم وتجاربهم لتطوير ذاته. فلم يكتف الإنسان بالتواصل مع من حوله من محيطه الذي يتحدث بلسان مشترك، وإنما أظهر فضولا ورغبة فطرية في التعرف على كل ما هو مختلف وشغفا باكتشاف الأسرار الكامنة وراء ذلك الاختلاف عبر التواصل مع الآخرين من غير بني جلدته. كما أن متطلبات الحياة وتطوراتها حتمت على الإنسان التعامل مع أفراد وجماعات من مختلف بقاع العالم. فكانت هذه الحاجة الملحة إلى التواصل موازية لظهور نشاط الترجمة.


1-      أهمية الترجمة في التعرف على الثقافات

  برزت أهمية هذا النشاط اللغوي، الذي يحتل مكانة مهمة في البناء المعرفي للإنسان سواء في صيغته الشفهية أو الكتابية، في كونه وسيطا بين لغتين وثقافتين مختلفتين على اعتبار أن اللغة جزء لا يتجزأ من الثقافة، كما أن الثقافة لا تنفصل عن اللغة. ولذلك نجد أن نشاط الترجمة ليس حديث العهد، بل ارتبط ارتباطا وثيقا منذ القدم بالحاجة إلى التواصل. فمن سنة الله في الخلق أن جعلنا فوق هذه الأرض شعوبا وقبائل لنتعارف وذلك من خلال قول الله عز وجل في كتابه الحكيم: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)[1].
فالترجمة ليست مجرد نقل نص مكتوب أو حديث شفهي بشكل آلي من لغة إلى أخرى، بل هي صلة وصل بين ثقافتين مختلفتين كفيلة بكسر حاجز اللغة، الذي يحول دون إمكانية التواصل، وبالتمكين من قراءة ثقافة الآخر. فلكل ثقافة مميزاتها وخصائصها التي تجعلها مختلفة عن الأخرى. ذلك أن استيعاب الثقافة يتم عبر فهم الآخر ومعرفة نمط عيشه. ولابد من الإشارة هنا إلى أهمية عملية الترجمة على مر التاريخ وإلى دورها الإيجابي في تطور الحضارات التي كانت تستعين بها كمرحلة أولية من أجل تطوير علومها. وهذا حدث بالفعل في العصر الوسيط، ولاسيما في العصر العباسي عند العرب المسلمين، الذين قاموا بتعريب عدد كبير من النصوص العلمية والطبية والفلسفية الإغريقية لتتم الاستعانة بها لتطوير العلوم ولتبزغ بذلك الاختراعات العربية الإسلامية. وقد تم ذلك في بيت الحكمة ببغداد تحت إشراف الطبيب الفيلسوف اللغوي المترجم حنين بن إسحاق.
يتبين إذن أن الترجمة أداة لنشر الثقافة ووسيلة للتعرف على أفكار الآخرين الإيجابية منها والسلبية ولمعرفة مكانة الذات مقارنة بالآخر. كما أن هذه المعرفة تفتح المجال للحوار بين الثقافات والتعايش وتلاقح الأفكار، ناهيك عن تمكينها المُتلقي من مواكبة التطور الحاصل عند المجتمع المتقدم. ورغم أهمية الأعمال العلمية المترجمة في هذا السياق، بيد أنه لا يمكننا أن نُغفل أهمية الترجمة الدينية لما لها من آثار إيجابية على المجتمع.

2-      أهمية الترجمة الدينية


أول ما يتبادر إلى الذهن حين نتطرق إلى موضوع الترجمة الدينية هو ترجمة معاني القرآن الكريم. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أول ترجمة لمعاني القرآن تمت باللغة اللاتينية على يد مجموعة من الرهبان سنة 1143م[2]، وهي الترجمة التي لم تُطبع حينها لأن نشرها كان كفيلا بأن يساعد على نشر الإسلام بدلا من أن يخدم هدف الكنيسة الذي سعت إليه وهو محاربة الإسلام. وإلى جانب ترجمة معاني القرآن، نجد ترجمة عدد كبير من الأحاديث النبوية لما لها من أهمية في الحياة اليومية للمسلمين والمسلمات. فقد نُقلت إلى لغات مختلفة محتويات كتب الحديث المشهورة مثل صحيحي بخاري ومسلم وسنن أبي داوود وموطأ مالك ابن أنس وغيرها من المراجع الإسلامية النفيسة.
ولا تقتصر الترجمة الدينية على ترجمة معاني القرآن والأحاديث النبوية، بل تتعداها لتشمل ترجمة المقالات والأبحاث والنصوص التي تناقش مواضيع دينية وذلك بغية تحقيق أهداف مختلفة كنشر الإسلام أو رفع اللبس الذي يقع في قضية من القضايا الدينية. وهذا يحيل على الدور المهم الذي تحتله الترجمة في المجال الديني لما تحققه من أهداف جليلة منها نشر القيم الدينية والتعريف بمبادئ الإسلام وتعزيز صورة الإسلام الحقيقية والصحيحة لدى الغرب الذي يعاني من ظاهرة الإسلاموفوبيا.
وإذا كانت الترجمة  في العصر العباسي قد ركزت على النصوص العلمية لظهور الحاجة إليها، فإننا اليوم في أمس الحاجة إلى تكثيف ترجمة البحوث الدينية التي تقدم الصورة الصحيحة عن الإسلام نظرا للاستغلال الذي يتعرض له هذا الدين خدمة لبعض الأغراض غير النبيلة ولتشويه صورة المسلمين. وسيكون البحث العلمي الرصين في هذا المجال الوسيلة المثلى لردع كل المحاولات المغرضة، وستكون الترجمة الوسيط الذي سيوصل ذلك الخطاب التصحيحي إلى الغرب ويمد جسور التواصل والحوار بين الشعوب.


3-      دور الترجمة الدينية في الحوار بين الثقافات


نعيش اليوم في عالم تتعدد فيه الثقافات ويُنظر فيه للإسلام، ولاسيما في العالم الغربي، نظرة معارَضة وخوف. ولأهمية هذا الأمر، يبرز دور الترجمة في إعطاء الصورة الصحيحة عن الإسلام للغرب على وجه الخصوص. فعندما تتضح الرؤى وتزول تلك المفاهيم الخاطئة التي تشوب الفكر الغربي، يمكن إذابة ذلك الحاجز الذي يحول دون تعايش وتفاهم المجتمعات.
ففي الغرب، تروَّج مفاهيم كثيرة خاطئة عن الإسلام عموما وعن المرأة خصوصا، إذ تُعتبر هذه الأخيرة، في النقاشات السطحية التي تُطرح، كائنا لم تنصفه الشريعة الإسلامية. وهذا ناتج عن الجهل بالدين الإسلامي وعدم فهم أحكامه فهما صحيحا. فقد ادعى بعض الغربيين أن الشريعة الإسلامية ظلمت المرأة المسلمة واحتقرتها من خلال مجموعة من المظاهر كهندامها الإسلامي وعدم مساواتها مع الرجل في مجموعة من الحقوق مثل حقها المحدد في الإرث.
وأمام هذه الاتهامات، نجد عددا من العلماء والعالمات قد انكبوا على إنجاز أبحاث ودراسات في القضايا النسائية بهدف تصحيح هذه الرؤى وإبراز الوجه الحقيقي للإسلام وقيمه السمحة. وهنا يأتي دور الترجمة لنقل هذه الأفكار إلى الغربيين لتصويب معتقداتهم وتفنيد ادعاءاتهم، عبر نقل تلك الحجج والبراهين التي قدمها علماؤنا بطريقة علمية.
يُضاف إلى ذلك أننا يُمكننا الانطلاق أيضا من كتابات الغربيين وترجمتها إلى اللغة العربية من أجل فهم الفكر الغربي وتحديد الملابسات والأفكار الخاطئة التي تشوبه عن الإسلام، ليتمكن علماؤنا الأجلاء من الرد عليها وتصحيحها في نهاية المطاف.
إن جسر التواصل هذا الذي تبنيه الترجمة الدينية عبر تمكين وتسهيل نقل الفكر الديني الصحيح لكفيل بالتقريب بين شعوب العالم بدل هذا التنافر والخوف الذي نشهده بين العالم الغربي والعالم الإسلامي اللذين يجدر بهما أن يكونا متكاملين من أجل تحقيق الخير للبشرية جمعاء بدل تضييع الجهود في توسيع الخلافات.
ختاما، ووعيا بدور الترجمة في المجال الديني، لا بد من زيادة الاهتمام بها من لدُن الباحثين والدارسين للترجمة باعتبارها مكونا لا يمكن الاستغناء عنه في أي مجتمع من المجتمعات، وإلا فقد الاتصال بالعالم الخارجي وبقي متقوقعا ومنفصلا عن بقية الأمم، ومحصورا في دائرة مغلقة من التصورات الخاطئة والصور النمطية. لذلك من واجبنا تقديم الإسلام في صورته الصحيحة والحقيقية لأن الدين جزء من الهوية.
 
________________________________________
[1] الآية 13 من سورة الحجرات
[2] أنظر في هذا السياق تاريخ ترجمة القرآن على الرابط الآتي:
http://alwaei.com/topics/view/article_new.php?sdd=734&issue=466

 

 



 
2012-01-15 21:21ضحى

فعلا للترجمة دورها المهم في تواصل وتفاعل الثقافات فيما بينها.شكرا على المقال. ومتمنياتنا بالتوفيق لصاحبة المقال ولكل للعاملين في مثل هذه المراكز .

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم الاختلاط والمشاركة في عهد الرسالة

مفهوم الاختلاط والمشاركة في عهد الرسالة

 والقرآن الكريم لم يَفصل بين الذكر والأنثى، فقد كانت المرأة دائما شقيقة الرجل، وشريكته في تعمير الأرض، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (النساء شقائق الرجال)[6]،  فقد كان لها حضور بارز في المجتمع الإسلامي فكانت تتعلم وتُعلّم ويقصدها طلاب العلم، وتُستفتى وتستشار في الأمور العامة، وتخالط الرجال في العديد من الأماكن والمناسبات، وذلك بجد واحتشام ووفق الآداب الإسلامية التي شرعها الله تعالى لاستخلافه عز وجلّ في الأرض...

إطلالة على دور المرأة المغربية في الكفاح الوطني ضد الاستعمار

إطلالة على دور المرأة المغربية في الكفاح الوطني ضد الاستعمار

ظهرت حركات نسائية في المغرب متعددة المشارب والتوجهات تدعو في مجملها رغم اختلافها المرجعي، إلى الدفاع عن حقوق المرأة وتعزيز مكانتها وإعطائها الفرصة لتكون عنصرا فاعلا في المجتمع. وتُعد هذه الحركات على اختلافها امتدادا لنضال المرأة المغربية الذي بدأ قبل الاستقلال في سبيل طرد المحتل...

معالم الرؤية المنهاجية الكامنة في نصوص الوحـي من خلال آيات القرآن في موضوع المـــرأة ج1

معالم الرؤية المنهاجية الكامنة في نصوص الوحـي
من خلال آيات القرآن في موضوع المـــرأة ج1

يعد موضوع المرأة من المواضيع التي وردت مفصلة في كتاب الله، وإن التفصيل فيه يدل على مدى العناية التي أولاها الشارع للمرأة باعتبارها أنثى؛ فهي الأم والخالة والجدة والأخت والزوجة والبنت والعمة وسائر النساء القريبات والأجنبيات.