قراءة في كتاب

"ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا" ليلى أحمد. ج: 1
"ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا"
ليلى أحمد. ج: 1

إلياس بوزغاية

 

الحديث عن الحجاب والإسلام والغرب موضوع شائك استأثر باهتمام الكاتبة المصرية والأستاذة بجامعة هارفارد الأمريكية ليلى أحمد، وذلك من خلال كتابها "ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا" الذي صدر سنة 2011 عن جامعة يال الأمريكية. يناقش الكتاب من خلال جزئين تاريخ الحجاب في مصر وفي أمريكا والمتغيرات التي صاحبت ميول المرأة المسلمة لارتدائه أو خلعه. تدافع الكاتبة فيه عبر 361 صفحة عن موقفها القائل بأن الحجاب ليس فقط تعبير عن التزام وعفة المرأة المسلمة، ولكن هو أيضا رمز ذو دلالة قوية على تميز المرأة المسلمة وارتباطها الوثيق بهويتها وانتمائها.

 

في الجزء الأول، وقبل الخوض في مناقشة تداعيات انتشار الإسلام والحجاب في أمريكا مع بداية القرن الواحد والعشرين، ترصد ليلى أحمد في ثماني فصول الأحداث التي تداخلت من أجل رسم منحنى تراجع أو ارتفاع نسبة الإلتزام بالإسلام وارتداء الحجاب في مصر منذ بداية القرن العشرين.

 

مثلت فترة الخمسينات بداية موضة خلع الحجاب التي سادت مصر ودول عربية أخرى، وذلك ارتباطا بعاملين أساسيين هما الإحتكاك المباشر بالمستعمر ومقولاته "الحضارية" التي ترى أن الحجاب رمز للتخلف واضطهاد للمرأة -كما أشار إلى ذلك ألبرت حوراني سنة 1956-، ثم التفاعل الذي تم مع هذه الأفكار من طرف بعض المفكرين العرب وعلى رأسهم قاسم أمين الذي كان أحد أبرز المدافعين عن خلع الحجاب في تلك الفترة في إطار ما يعرف بمحاولات الإصلاح مع محمد عبده وسعد زغلول وآخرين. كان واضحا أن كتابات المفكرين وضغوط المستعمر نجحت ليس فقط في إثارة نقاش واسع حول معاني الحجاب وارتباطه بتقاليد المجتمع، ولكن أيضا في الدفع ببعض النساء والسياسيين لتبني مفاهيم "الحداثة" وتحرير المرأة من أجل تحقيق حقوق أكثر لها.

 

الفصل الثاني من الكتاب يقدم نظرة على أهم الأحداث السياسية والاجتماعية في مصر بين 1920 و 1960 وكيف أفسحت المجال لعودة الإسلام أو ما يعرف بالصحوة الإسلامية في العالم العربي، حيث تم ذلك في ظل مخاض الإستقلال وعدم الإستقرار السياسي بين القطب الإشتراكي والرأسمالي، ثم التفاعل مع القضية الفلسطينية 1948، وأيضا دخول حركة الإخوان المسلمين كفاعل اساسي في السياسة والمجتمع. في هذه الفترة عرفت مسألة لبس الحجاب تنوعا وغموضا واضحا في اشكال الحجاب ودلالاته والطبقات الاجتماعية التي ترتديه. لكن لم يستمر هذا الحال طويلا، إذ انه بعد إعدام سيد قطب سنة 1966 وهزيمة 1967 مع إسرائيل وانتشار الفساد في الإدارة واغتيال جمال عبد الناصر سنة 1970 طفت على السطح مظاهر الرجوع إلى الإسلام والتدين.

 

شهد عقد السبعينات مظاهر الصحوة الإسلامية بكل جوانبها خاصة بعد الإنتصار الذي أحرزه العرب على إسرائيل سنة 1973 ونجاح الثورة الإسلامية الإيرانية وتعاظم دور الإخوان المسلمين بمصر. كل هذا أدى أيضا إلى ظهور بوادر الحركات الجهادية الإسلامية المطالبة بتحكيم الشريعة وتكفير الموالين للغرب. في نفس الوقت كان ملاحظا أن مجموعة من النساء بدأت تحظى بامتيازات أهلتها لتخوض جنبا إلى جنب معترك الحياة مع الرجل – نموذج زينب الغزالي كقيادية في تنظيم الإخوان المسلمين-. كان بارزا أيضا أنه منذ بداية السبعينات كان للحجاب دور اساسي في التفريق بين المحافظين المنتمين للحركة الإسلامية بتياراتها المتنوعة وغيرهم خاصة في الجامعات المصرية، وقد شكلت هذه الفترة لحظة مهمة لدى الكاتبة من أجل استقصاء دوافع ارتداء الحجاب لدى النساء، فوجدت من خلال بحوثها ومقابلاتها أن السياق التاريخي بالإظافة إلى عوامل أخرى ذاتية شكلت موجة لدى الشباب تهدف إلى التعبير عن عدم التبعية لأنماط الحياة الغربية وأيضا الرغبة في تحصيل القبول في المجتمع والتقرب إلى الله. هذا وقد كانت هناك اتهامات للسعودية والإخوان المسلمين بدعم التوجه الإسلامي الوهابي والحجاب ولو بالمال.

 

بانتهاء عقد السبعينات، اصبح للصحوة الإسلامية صدى أكبر وتأثير أبرز لم يقتصر فقط على مصر والدول العربية، بل امتد إلى الغرب وبالضبط إلى أمريكا، حيث لعبت أمواج الهجرة دورا رئيسيا في تقوية المشروع الإسلامي بعدة وسائل. وفي خضم التعارف الثقافي بين المسلمين والغرب كان واضحا أن جو الديموقراطية في الغرب أهل المهاجرين المسلمين لتأسيس مؤسسات ومراكز فاعلة أدت إلى احتواء المزيد من المهاجرين المسلمين من جهة وإلى نشر دين الإسلام في صفوف كثير من غير المسلمين –جمعية المجتمع الإسلامي بشمال أمريكا (ISNA)- كان من المثير للاهتمام أيضا أن مظاهر الحجاب لعبت دورا محوريا في جذب انتباه العامة وإثارة فضولهم لمعرفة المسلمين. تعزز هذا بحدث تفجير برج التجارة العالمي سنة 1993 من قبل تنظيم القاعدة، الشيء الذي عجل ببدإ التوتر في العلاقة بين الإسلام والغرب.

ترى الكاتبة ليلى احمد أن فترة التسعينات من القرن العشرين صنعت تاريخا جديدا في العلاقة بين المسلمين والغرب مما هيئ لأوضاع جديدة سيعرفها العالم مع بداية القرن الواحد والعشرين في جزئها الثاني من الكتاب.

 

نشر بتاريخ: 2/21/2013



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].